هل قصة ادم و حواء و الحية قصة اسطورية غير حقيقية اى انها ميثولوجيا بحسب تعبير احد الاكليروس ؟

فى البداية يجب ان نُعَّرف ان الميثولوجيا مصطلح يعنى اساطير اى انها غير حقيقية و هى نوع من الادب الخيالى.

هذا الادعاء فيه تشكيك لبعض القضايا الايمانية منها انه :

أولا : يشكك فى قضية الفداء و الصلب

و لو كانت قصة ادم و حواء رمزية لكان هناك تشكيك صريح فى قضية الفداء و الصلب ، لان قصة ادم و حواء مبنى عليها تجسد السيد المسيح و موته و قيامته و صعوده الى السماء. لان اساس المسيحية مبنى على اساس الخطية الجدية و قائم عليها اساس الصلب و الفداء  "وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ،" (1 كو 15: 14).

جاء فى سفر التكوين الاصحاح الخامس : "هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُ، وَبَارَكَهُ وَدَعَا اسْمَهُ آدَمَ يَوْمَ خُلِقَ. وَعَاشَ آدَمُ مِئَةً وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ وَلَدًا عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ وَدَعَا اسْمَهُ شِيثًا. وَكَانَتْ أَيَّامُ آدَمَ بَعْدَ مَا وَلَدَ شِيثًا ثَمَانِيَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ آدَمَ الَّتِي عَاشَهَا تِسْعَ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ." (تك 5: 1).

ثانيا : يشكك فى ان كل الكتاب هو موحى به من الله  

أليس كل الكتاب موحى به من الله كقوله "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ،" (2 تي 3: 16).

فلو كانت قصة ادم و حواء قصة رمزية لماذا ذكر ابناؤه و سنين حياته ،فهل يخلط الله الدلالات الحقيقية بأمور خيالية؟!!! حاشا و لماذا ؟!!!  هذا عبث و تشكيك...

و فى سفر اخبار الايام ذكر الانساب من ادم الى اسرائيل . فلو كانت رمزية فما الداعى الى ذكر هذه الاسماء بتسلسل الانساب بدءا من ادم ؟!!!

السيد المسيح نفسه يشهد للعهد القديم قائلا : "«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ." (مت 5: 17).و لم يقل ان العهد القديم به خرافات ، بل اكد فى متى 15 قائلا : "فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ." (مت 5: 18).

و بولس الرسول رسالته الى رومية يقول : "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ." (رو 5: 12). و يكمل  قائلا : "لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، (رو 5: 14).

فلو كانت قصة ادم غير حقيقية. فكيف دخلت الخطية و الموت الى العالم ؟!!!!

هنا نجد معلمنا بولس الرسول يقول : "لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ." (1 كو 15: 22).

و فى رسالته الاولى الى كورنثوس يقول : "هكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضًا: «صَارَ آدَمُ، الإِنْسَانُ الأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً، وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحًا مُحْيِيًا»." (1 كو 15: 45).

و فى رسالته الاولى الى تيموثاوس يقول : "لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلًا ثُمَّ حَوَّاءُ،وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ، لكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي." (1 تي 2: 13،14).

و السيد المسيح يقول : "لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ ( ابن ادم ) إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ." (مت 23: 35). فلو كان ادم و حواء قصة رمزية لما كان هناك هابيل .

و لِما قال السيد المسيح : " «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟" (مت 19: 4).

و لو كان ادم و حواء اسطورة من الاساطير لاصبح السيد المسيح هو ايضا اسطورة . لانه بحسب ما ذكر كيف يمكننا ان نقارن بين وهم بحقيقة .

فاذا افترضنا انه لا ينبغى ان نفسر قصة الخلق بصورة حرفية بل رمزية، فماذا ستكون النتيجة ؟ هل سيظل جوهر المسيحية كما هو الحال للتفسير الحرفى لقصة ادم و حواء ؟ الاجابة ... لا يا احبائى ...

لان هذا التفسير سيؤثر تاثيرا جذريا فى كل مبادئ و عقائد الايمان المسيحى . فاذا لم يكن ادم رجلا حقيقيا ، فالخطية اذن لم تدخل الى العالم من خلال رجل واحدكما جاء فى رومية  "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ." (رو 5: 12).

و هنا ستكون هذه الاية ليست ذات معنى بل الكتاب المقدس كله ، و يكون العهد الجديد مخطئا بشأن كيفية دخول الخطية الى العالم والعهد القديم ايضا، لانه حال كون قصة سقوط ادم و حواء رمزية او خيالية حينئذ لم يعصى احد الله و لم يسقط احد فى الخطية ، و هنا الشيطان سيكون فى منتهى السعادة لان الناس ستعتقد بانه لا يجب ان يفسر الناس الكتاب بصورة حرفية . و بالتالى سنفقد ثقتنا بالكتاب المقدس .

فاذا بدأنا بإنكار اى جزء منه. فما الذى يجعلنا نصدق اى شيئ يقوله الكتاب .

ثالثا : يشكك فى ان المسيح هو الله بالحقيقة

و اذا كانت القصة رمزية او اسطورية ، فهل كان السيد المسيح مخطئا عندما أقر فى متى "لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ." (مت 23: 35). و ذكر هابيل ابن ادم .

ام كان لا يعلم انه يوجد ادم وحواء حقيقين و بذلك تكون تعاليمه كاذبة ؟!!! ( حاشا )

و ان كان المسيح مخطئا فى معتقداته ، فإذا ليس هو الله .

و ان كان متعمدا خداع الناس ، حينئذ يكون قد ارتكب خطية (حاشا ). و بالتالى لا يمكن ان يكون هو المخلص.

إذن انكار حرفية حقيقية ادم و حواء هى مقاومة للسيد المسيح و كلمة الله. و يكون الكتاب المقدس خطأ و بالتالى يكون غير موحى به من الله.

فالذين ينادون برمزية فصة ادم و حواء و انهم رمز للبشرية ، و انه لا يوجد ادم وحواء حقيقين . فهؤلاء يريدون هدم قصة التجسد وأسباب  الفداء بل عقيدة الفداء كله، و بالتالى يهدمون المسيحية بأكملها.

ان من نادوا بان الكتاب المقدس به اساطير و قصص رمزية ينطبق عليهم قول الكتاب "قَدْ أَسْرَعَ بَنُوكِ. هَادِمُوكِ وَمُخْرِبُوكِ مِنْكِ يَخْرُجُونَ." (إش 49: 17).

و جاء ايضا فى انجيل متى "«اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الْحُمْلاَنِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ! مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ." (مت 7: 15).

و قول معلمنا بولس "لأَنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ هُمْ رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ مَاكِرُونَ، مُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شِبْهِ رُسُلِ الْمَسِيحِ. وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ!" (2 كو 11: 13).

أخيرا اذا كانت قصة ادم و حواء رمزية . فلماذا مات السيد المسيح ؟!!! هل مات عبثا و هل موت المسيح و قيامته اسطورة من الاساطير.

يقول القديس ايريناؤس ( انهم يفسدون تعاليم الله. و يثبتون انفسهم كمفسرين اشرار للكلمة يحطمون ايمان الكثيرين بإنتزاعهم عن الايمان تحت ستار المعرفة يخدعون البسطاء بالكلمات المنمقة و الشكل الحسن ).

فكفوا عن مهاتراتكم. و الافضل لكم ان تعلقوا فى رقابكم حجرا و تطرحوا انفسكم فى البحر خير لكم من مساس كلمة الله بسوء)

أن تفاسير اباء الكنيسة الكبار مثل القديس اثناسيوس والقديس كيرلس الكبير والقديس يوحنا ذهبي الفم وكل الاباء الكبار كانوا يعلمون بنفس التعليم الكتابي من حقيقة وحرفية احداث سفر التكوين وحتى لو كان هناك تفسير رمزي فلم يكن ينفي حقيقية وواقعية الاحداث كما سنوضح لاحقا 

و أيضا فى صلوات الليتروجية ( القداسات الكيرلسى و الباسيلى و الغريغورى ) تكلموا عن الخطية الجدية و وراثة الخطية الاصلية . فإذا كانت قصة ادم و حواء خيالية اسطورية . فما فائدة الصلاة بهم .

متى بدأت هذه الافكار تظهر؟

بدأت في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر مع ظهور ما يعرف باللاهوت الليبرالي

و اللاهوت الليبرالي باختصار هو مجموعة من الافكار والبدع ظهرت في أوربا وبالتحديد في ألمانيا في تلك الفترة وكان لهذا المذهب الفكري بعض الاسباب التي ساهمت في ظهوره أهمها:

  • انشقاق مارتن لوثر عن الكنيسة الكاثوليكية وتمرده على تعاليم وسلطان الكنيسة

2- الاسلوب البروتستانتي في تفسير الكتاب المقدس والذي اعتمد على الفكر الشخصي والذاتي

3- ظهور مدارس النقد الكتابي والتي هاجمت الكتاب المقدس بشده ونقدت كل شيء فيه

4- ظهور الثورة الصناعية والتقدم العلمي وعصر ما يعرف بعصر التنوير ووجود مدارس وتيارات فكرية متعددة

5- ظهور التيار العقلاني والذي يخضع كل شيء للعقل والفحص ورفض ما لا يوافق عليه العقل وهو ما يعرف بتأليه العقل أو جعله السيد على كل شيء حتى الايمان والكتاب المقدس 

تلك أهم الظروف التي أدت لظهور هذا التيار الذي انتشر واخترق الكنيسة البروتستانتية في أوربا. ثم مع بدايات القرن العشرين اخترق هذا التيار كنيسة روما. وظهرت أهم أفكاره في قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني، والذي اقر بخلاص غير المؤمنين، وتبرئة اليهود من دم السيد المسيح.

ومنذ ذلك الحين أصبحت الترجمات الرسمية مثل الترجمة اليسوعية وكثير من تفسيرات الكتاب المقدس خصوصا العهد القديم سواء الاجنبية أو العربية والتي تصدر بالتحديد من لبنان، تحتوي على أفكار الليبراليين نحو الكتاب المقدس عموما وأسفار موسى وسفر التكوين خصوصا .

أهم أفكار اللاهوت الليبرالي والتي نادت بأسطورية قصص الكتاب المقدس:

على الرغم من اعتراضى على تعبير اللاهوت الليبرالى و التى تعنى اللاهوت المتحرر أو التحررى لانه لا يوجد علم من علوم اللاهوت نتحصل عليه بدون استنارة الذهن بفعل الروح القدس العامل فى الكنيسة بأسرارها وطقوسها و تقليدها و كتابها المقدس. و ليس بحسب مزاعمهم التحرر من هذه كلها. كما انهم لا يقصدون التحرر من الخطية لكى لا يكون هناك التباس . ان اللاهوت و علومه هى اعلان من الله لنا نحن البشر من خلال اعلاناته فى الكتاب المقدس لقديسيه الذين هم فى ملئ الروح ، فيدركون الامور الخفية السمائية الالهية تلك التى لا تستعلن بتحرر الفكر عن الله انما هو هو نوع من انواع  الغرور البشرى و تقديس الفكر البشرى تحت هذا المسمى.

ربما لا يعلم من ينادي بان الكتاب المقدس به أساطير أن هذه الادعاء ليس إلا مجرد فكرة واحدة من مجموعة أفكار كثيرة لو قبلناها لتم هدم الايمان المسيحي كله !

فالقول بأسطورية قصص سفر التكوين ليس مجرد رأي حديث أو مدرسة في التفسير كما يدعي البعض أو تعليم موجود في الكنيسة كما سوف نثبت عكس ذلك. ولكنه محاولة إخضاع الكتاب المقدس للعقل وقبول ما يتوافق معه أو مع ما يقبله العقل ورفض ما لا يقبله حتى لو كان إيمان أو حتى عقيدة !

أما عن أهم أفكار اللاهوت الليبرالي والتي جاء منها القول بان الكتاب المقدس انه يحتوي على أساطير فهي

أولا: التشكيك في الكتاب المقدس وإنكار الوحي الالهي له والنظرة له على انه كتاب يحتوي على أساطير تأثر كاتبه بالثقافة السائدة وقت كتابته

ثانيا: التشكيك في قصص البدايات مثل الخلق والسقوط ووجود شخصيات ادم وحواء والطوفان وبرج بابل

ثالثا: الادعاء بان ادم وحواء شخصيات رمزية وليست قصة حقيقية ولكنه إطار رمزي وضع لإيصال مفاهيم معينة أراد الكاتب أن يوصلها للقاري ف ادم وحواء هي رموز للبشرية أو الانسانية كلها !

رابعا : لا يتوقف الامر على العهد القديم فقط بل ينكر أصحاب اللاهوت الليبرالي معجزات وقيامة وصعود السيد المسيح نفسه وأيضا إنكار الميلاد العذراوي له وانه ليس إلا مجرد معلم أخلاقيا صالحا وقد حرف تلاميذه قصته بعد ذلك في الاناجيل

خامسا : أيضا يدعون أن لا وجود للجحيم وان الانسان لا يهلك في الخطية وليس هناك دينونة وينكرون الخطية الاصلية

سادسا: كان من أهم تأثيرات فكر اللاهوت المتحرر في كنائس الغرب هو إباحة الشذوذ الجنسي وسيامة المرأة كاهن وقس واسقفة وزواج الشاذين داخل الكنائس ورفض كثير من العقائد مثل معجزات السيد المسيح وأيضا إنكار الميلاد العذراوي للسيد المسيح !

هذه أهم أفكار اللاهوت التحررى التي بدأت كثير من كنائس الغرب، حتى الكنيسة الكاثوليكية بدأت تعلم ببعض أفكاره الخاصة بالكتاب المقدس من العهد القديم فالذي يقول اليوم ان الكتاب المقدس به أساطير وتأثر كاتبيه بالثقافة السائدة أو إن موسى النبي اقتبس من القصص الشعبية للخلق التي كانت موجودة في عصره، سيقول غدا إن معجزات السيد المسيح غير حقيقية وان ميلاده العذراوي هو أسطورة أيضا ويرفض الوصية الانجيلية ويشكك في تعاليم الانجيل أيضا فالبدع لا سقف لها ودائما البدع الكبيرة تبدأ بفكرة صغيرة .!

كيف يعقل أو يمكن إن نقبل إن الكتاب المقدس وكاتبه موسى النبي أو أي كاتب أخر يقتبس من ديانات وثنية وثقافات مليئة بالخرافات والقصص الكاذبة وتعدد الالهه ليخرج لنا قصة كتابية تحكي لنا عن الله الواحد خالق كل شيء و هو مخلص الانسان ؟

فالله ليس بحاجة إن يسمح بالاستعارة من قصص وأساطير تمتلئ بالخرافات والعقائد التي تتنافى مع الايمان السليم. وليس نبي الله موسى في حاجه إلي إن يلجأ إلي القصص والاساطير الشعبية وهو كليم الله والذي ظهر الله له متجليا في العليقة ومتجليا على جبل موسى وبقي مع الله مدة أربعين يوما وأربعين ليلة و اخذ من الرب لوحي الشريعة والتي كتبت بإصبع الله .

موسى النبي الذي قال عنه الرب الاله انه كان يتحدث معه فما إلي فم وعيانا يتكلم معه لا بالالغاز وشبه الرب يعاين "فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ." (عد 12: 8).

هكذا استعار بولس الرسول قصة السقوط وخداع الحية كورنثوس الثانية "وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ." (2 كو 11: 3).

ايضا اقتباس بولس الرسول لخلق وسقوط ادم فى تيموثاوس الاولى "لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلًا ثُمَّ حَوَّاءُ، وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ، لكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي. " (1 تي 2: 13).

وكان اولى بموسى النبى أن يقتبس من قصص الخلق المصرية و ليست البابلية او السومرية كما ادعى اصحاب هذا الادعاء حيث كان يعيش في مصر مدة اربعين عام وكما جاء في الكتاب عنه "فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ." (أع 7: 22). ورغم ذلك ال نجد أي تشابه بين ما كتبه موسى وبين أساطير المصريين ايضا في هذا الوقت !

أدعى أصحاب اللاهوت التحررى أن ما جاء في سفر التكوين من قصة الخلق تم اقتباسه من الاساطير التي كانت موجودة في عصر كتابة السفر وبذلك أنكروا وحى الروح القدس للسفر . "لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ." (2 بط 1: 21).

ففي الاساطير خُلِقَ الانسان ليحمل عبء العمل عن الالهة. أما في سفر التكوين فإن الله خلق الانسان حبًا فيه، فالانسان هو نتاج المحبة الالهية، ولهذا ميزه الله عن جميع المخلوقات الارضية، بل والسماوية، إذ هو الوحيد الذي خُلِقَ على صورة الله، وباركه الله وجعله ملكا على الخليقة "وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ»." (تك 1: 28). أما عن إنسان الاساطير فهو عبد لا يتمتع بأي مركز أدبي، بينما إنسان التكوين له كرامته ومركزه الادبي الرفيع، حتى بعد السقوط لم يرفضه الله ولم يمهله، ولكن تعهده بالمراحم و الرأفات.

بما نفسر وجود تشابه بين بعض تلك الاساطير وبين قصص الخلق أو السقوط في الكتاب المقدس ؟

أما عن وجه التشابه بين الاساطير وبين قصة الكتاب المقدس في بعض الاحداث القليلة جدا، فيرجع إلى أن أصل قصة الخلق واحد ،فقد نقل قصة الخلق آدم إلى أبناءه ثم نقل قصة الخلق وقصة الطوفان أبناء نوح إلى أبناءهم بعد الطوفان ،وهكذا تناقلت كل الاجيال وهى من أصل واحد تلك القصة في ثقافتهم وحضارتهم ولكنها شابها الكثير من التحريف والاضافات والخرافات مع مرور الزمن فصارت اساطيرا لدى بعض الشعوب

وقد حدث هذا الامر أيضا في قصة الطوفان. فقصة الطوفان موجودة في ثقافات كثير من الشعوب القديمة ولكن بأشكال وتفاصيل مختلفة، وتمتلئ بالخرافات أيضا في معظم الاحيان. وهذا أيضا يرجع الى ان القصة تناقلها أبناء نوح حام وسام ويافث والذين عاصروا الطوفان ونقلوا هذه القصة لأبنائهم، وأبنائهم نقلوها أيضا وهكذا، حتى تم تحريفها وتشويهها خصوصا بعد برج بابل وتفريق الشعب الواحد إلي شعوب في مناطق مختلفة وبلغات كثيرة !

ولكن بقيت القصة الحقيقية الاصلية تلك هي التي دونها موسى النبي في سفر التكوين والتي كتبها بالوحي الالهي وبإرشاد وقيادة الروح القدس هي القصة الاصلية بكل تفاصيلها بلا أي تحريف او تخاريف او إضافات من بشر.

وهكذا كان كثير من قضايا الخلق وخصوصا السقوط والتي كان ادم على علم بها. نقلها لابناءه بالتقليد الشفاهي وبالطبع طال القصة الحقيقية الكثير من التفاصيل الغير صحيحة. ولكن ظلت القصة الحقيقية ينقلها الاباء حتى وصلت الي موسى النبي. وبالطبع كثير من التفاصيل في الخلق والتي لم تكن معروفة للانسان عرفها موسى من الله مباشرة كما سبق ووضحنا.

وبالطبع يرجع زمن كتابة اسفار موسى الخمسة للقرن الخامس عشر قبل الميلاد وكانت احداث الخلق كما دونها موسى معروفة عند الشعب اليهودي .وقد تم سبي شعب بني اسرائيل في القرن السابع قبل الميلاد فربما نقل اليهود احداث الخلق لشعب بابل والشعوب الاخرى بعد السبي. وتناقلتها تلك الشعوب بعد تحريفها واضافة تعدد الآلهة التى يعبدونها والاحداث الاخرى اليها ! بمعنى اخر اى انهم من تناقلوها بعد ان ادخلوا عليها اسطورية الهتهم.

هل الكنيسة لا تعترف بالتفسير الرمزى؟

لا نستطيع أن ننكر أن التفسير الرمزى للكتاب المقدس أمر كان ومازال موجوداً فى الكنيسة المسيحية منذ نشأتها. بل ونجد تفسيرات رمزية إستخدمها الكتاب المقدس نفسه، بل ونجد أن السيد المسيح له المجد أستخدم قصص حدثت فى العهد القديم كرمز لموته، وقيامته، وأيضًا بولس الرسول أستخدم أمور حدثت فى العهد القديم كرمز لعمل المسيح الخلاصى. وعلى سبيل المثال:قصة يونان النبى قصة حقيقية لكن دخول يونان فى جوف الحوت وخروجه هو رمز لموت المسيح وقيامته من الموت. وقد أستخدم السيد المسيح له المجد نفسه قصة يونان كرمز لموته وقيامته عندما قال: "لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال." (مت 12: 40).

أيضًا أستخدم السيد المسيح قصة الحية النحاسية التى رفعها موسى النبى. والتى وردت فى سفر العدد إصحاح 21 كرمز لرفعه على خشبة الصليب وكما كان النظر إلى الحية النحاسية التى صنعها موسى شفاء لكل من لدغتهم الحيات. كذلك يكون النظر إلى خشبة الصليب شفاء لكل من لدغوا من الحية القديمة إبليس بالخطية. "«وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ،" (يو 3: 14).

وكان من أهم رواد المدرسة الرمزية فى كنيسة الإسكندرية العلامة أوريجانوس والذى تأثر بفيلو اليهودى الذى كان أحد رواد مدرسة التفسير الرمزى أيضًا,ُ والذي أُيضا تُأثر بُالفلسفة اُلافلاطونية فُي اُلتفسير اُلرمزي عُند اُليونان اُلقدماءُ.

وقد غالى جدًا فى التفسير الرمزى حتى قال: إن قصة آدم قصة رمزية بحتة. قدمها الوحى للكشف عن مفاهيم روحية تمس حياة الإنسان بالله، وأن الجنة لم تكن على الأرض بل فى السماء الثالثة، حيث كان آدم وحواء روحين، بلا جسدين حقيقيين قبل السقوط، وأنهما هبطا من الفردوس أو الجنة إلى الأرض بسبب سقوطهما. وأن ما نالاه من جسدين إنما هو من قبيل العقاب. وقد رفضت الكنيسة مثل هذه التعاليم بشدة بل وقامت بحرم تعاليم أوريجانوس بسبب الأخطاء التى وقع فيها!

ولان اُلكنيسة اُعتادات أُن لُا تُأخذ رُاي مُعين حُتى لُو كُان لُاحد اُلاباء وُيخالفُ تعاليم اُلكتاب اُلمقدس اُو اُيمان اُلكنيسة لُذلك كُان هُناك مُا يُعرف بُالابوفومياُ اي اُلاجماع اُلابائي وُهذا مُا يُؤخذ بُه وُليس مُجرد رُأي مُنفرد حُتى لُو كُانُ لاحد اُلاباء.

و قد علمتنا الكنيسة على فم قداسة البابا شنودة الثالث ان اعتمادنا فى تفسير امور الكتاب المقدس يقوم على اربعة مصادر هم :

1 – الكتاب المقدس

2 – تفاسير الاباء التى عليها اجماع و ليست الفردية

3 – الصلوات الليتروجية التى نصلى بها

4 – قوانين الكنيسة المعتمدة

و من هنا دعونا نؤكد أن التفسير الرمزى كان لا يلغى أو ينفى حرفية الأحداث التى ذكرها الكتاب المقدس. ولكنه كان يفسر التفسير الحرفى، ويدخل إلى عمق الأحداث ليرى المعنى الروحى، والنبوى عن السيد المسيح وخلاصه، وهكذا نفهم أن التفسير الرمزى لم ينكر أو ينفى واقعية القصص والأحداث كما يفعل البعض اليوم.

بعض اقوال الاباء القديسين:

يقول القديس كيرلس الكبير : ( وأرجوكم أن تلاحظوا، كيف أن طبيعة الإنسان فى المسيح هى حرة من أخطاء شراهة آدم، فعن طريق الأكل إنهزمنا فى آدم وبواسطة الصوم إنتصرنا فى المسيح)

و يقول يوحنا ذهبى الفم : (آدم بسبب عدم إنضباط بطنه قد أخرج من الفردوس وهذه الرزيلة أيضًا هى التى تسببت فى الفيضان أيام نوح وأيضًا فى نزول نار من السماء على سدوم . إن أصل كل العقوبات ينشأ من هنا - أى التعبد للبطن- فلهذا السبب بالذات قد صام الرب أربعين يومًا مظهرًا لنا أدوية الخلاص )

و يقول ايضا: ( لانه كان يجب أن يأتي ملك البر بطريقة ميلاد طاهرة ومقدسة لانه هو الذي من البدء خلق ادم وحواء من ارض عذراء ، ومن ادم أيضا خلق امراة دون أن تكون هناك امرأة )

ونحن كأقباط أرثوذكس كنا ومازلنا وسنستمر دائمًا متمسكين بكلمة الله كما علمت بها كنيستنا وفسره آباءنا القديسين وعاشته الكنيسة في الليتورجية والطقس ولم ولن تتخلى عن هذا الفكر تحت مسميات الانفتاح أو الاستنارة أو التطوير او التحديث أو غيرها من المسميات. لان هدفهم شيطانى هو  تفريغ الكنيسة من إيمانها وعقيدتها وتعاليمها لتصبح كنيسة بلا هوية وبلا عقيدة لتضيع ويضيع فيها الإيمان الأرثوذكسي مثلما حدث مع كثير من كنائس الغرب فليس هناك انفتاح في الإيمان أو تطوير للعقيدة أو تنوع في قبول الأفكار المنحرفة.

وليس معنى المحبة هي أن نتنازل عن إيماننا وعقيدتنا ولكن المحبة تجعلنا نقبل الكل بأشخاصهم دون أن نقبل أفكارهم المنحرفة أو آرائهم الخاطئة وتجعلنا نظل متمسكين بإيماننا الأرثوذكسي إلى النفس الأخير.

هكذا عاش آباء كنيستنا وهكذا علمتنا الكنيسة.

 

الى هنا اعاننى السيد المسيح 

كونوا معافين فى الرب 

باحث اكليريكى / مينا ثروت قلادة

 

المراجع :

كتاب هل يحتوى الكتاب المقدس على اساطير – للاستاذ عصام نسيم

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

كتاب تفنيد الاعتراضات على الكتاب المقدس – الاستاذ مجدى صادق

كلمة ألقاها استاذ جمال مرفس ردا على ادعاء رمزية قصة ادم و حواء