بدعة الأبيونية Ebionites / الناصريين ( النصارى ) - سلسلة بدع و هرطقات قديمة

الأبيونية بدعة نادى بها فريق من اليهود الذين اعتنقوا المسيحية .لكنهم لم يشاءوا أن يتركوا طقوس و عادات اليهود التى فرضتها الشريعة الموسوية فى العهد القديم . فهم طراز المسيحين المتهودين ، جذبتهم المسيحية بتعاليمها و لكن ثقل عليهم أن يتركوا طقوسهم القديمة لذلك جاءت مبادئهم خليطًا بين المسيحية و اليهودية .

و الأبيونية هرطقة ظهرت فى أيام المسيحية الاولى ، ولكنها لم تصبح مذهبًا إلا فى أيام حكم الإمبراطور تراجان 52 – 117 م .

1 – بدعة الأبيونية Ebionites / الناصريين ( النصارى )

مقدمة:                  

الأبيونية بدعة نادى بها فريق من اليهود الذين اعتنقوا المسيحية .لكنهم لم يشاءوا أن يتركوا طقوس و عادات اليهود التى فرضتها الشريعة الموسوية فى العهد القديم . فهم طراز المسيحين المتهودين ، جذبتهم المسيحية بتعاليمها و لكن ثقل عليهم أن يتركوا طقوسهم القديمة لذلك جاءت مبادئهم خليطًا بين المسيحية و اليهودية .

و الأبيونية هرطقة ظهرت فى أيام المسيحية الاولى ، ولكنها لم تصبح مذهبًا إلا فى أيام حكم الإمبراطور تراجان 52 – 117 م .

فالأبيونيون هم الخلفاء الروحيون ل ( الأخوة الكذبة )  الذين ذكرهم معلمنا بولس الرسول "بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ." (2 كو 11: 26). و "وَلكِنْ بِسَبَبِ الإِخْوَةِ الْكَذَبَةِ الْمُدْخَلِينَ خُفْيَةً، الَّذِينَ دَخَلُوا اخْتِلاَسًا لِيَتَجَسَّسُوا حُرِّيَّتَنَا الَّتِي لَنَا فِي الْمَسِيحِ كَيْ يَسْتَعْبِدُونَا،" (غل 2: 4).هؤلاء الذين اقلقوا سلام الكنيسة فى انطاكية و تعقبوا القديس بولس الرسول ليعطلوا رسالته، و يهدموا سلطته الرسولية . فقد اخذوا يعلموا المؤمنين بخلاف تعاليم الرسل.و قد وصفهم بولس الرسول قائلا: "فَإِنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرُونَ مُتَمَرِّدِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ، وَيَخْدَعُونَ الْعُقُولَ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ مِنَ الْخِتَانِ،الَّذِينَ يَجِبُ سَدُّ أَفْوَاهِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقْلِبُونَ بُيُوتًا بِجُمْلَتِهَا، مُعَلِّمِينَ مَا لاَ يَجِبُ، مِنْ أَجْلِ الرِّبْحِ الْقَبِيحِ." (تي 1: 10).

أبيون هي مشتقة من كلمة تعنى "المساكين". وكان الأبيونيون مذهبًا هرطوقيًا كما جاء في أقوال الآباء الأولين. أما من جهة آرائهم - كما من جهة آراء أغلب المذاهب الهرطوقية في العصور الأولى- فكل ما نعلمه عنهم هو ما جاء بأقوال معارضيهم. وفي بعض الأحيان كان يطلق على طائفة قريبة من الغنوسيين الذين لم يعترفوا إلا بأصل بشري للرب يسوع المسيح.

يظن ترتليان وأبيفانيوس وغيرهم من الآباء أن هذا الاسم مشتق من اسم شخص اسمه أبيون أو أهبيون، ولكن المرجح الآن أن هذا ليس صحيحًا، فلا يوجد أي أثر أو ذكر لشخص بهذا الاسم، ويبدو أن اسم الأبيونيين ومعناه " المساكين " مأخوذ عن أول التطويبات (مت 5: 3) ليبجلوا انفسهم على أساس أنهم امتداد - في العهد الجديد - " للمساكين والفقراء " الوارد ذكرهم في المزامير (مثل مز 69: 33؛ 70: 5؛ 74: 2)

سكنوا على ضفاف الأردن و فى مناطق فى عبر الاردن حتى القرن الرابع و الخامس الميلادى ، ثم ارتحلوا فيما بعد الى شمال العراق و ما بين النهرين. ويرى ادولف هارناك صاحب سلسة تاريخ العقيدة أن الابيونية لم تكن منتشرة في الغرب بكثرة كما كانت في الشرق، وأنه كان هناك فرقة مسيحية متهودة تحمل أفكارها الخاصة وكانت تسمى في البداية الناصريين وأيضا الأبيونين،ويقول إن القديس جيروم سماهم ذات مرة بالناصريين وهذا ما يثبت أن هذا الاسم كان مرادف لاسمهم.

و أقدم مرجع لنا فى مذهب الأبيونية و التعريف بمعتقداتها هو القديس يوستينوس الشهيد( 110-165 م ) الذى ذكرهم و تكلم عن مبادئهم و مدارسهم الفكرية التى ظهرت فى الكنيسة ، و إنهم كانوا جماعات مختلفة ، منهم من كان أكثر تشددًا و تزمتًا من غيره.

ويقول يوسابيوس القيصري في كتابة تاريخ الكنيسة: انهم كانوا يحفظون السبت رغم إحتفالهم بالأعياد المسيحية كعيد القيامة، وقال أيضا أن الآباء سموهم بالأبيونين لفقر تعاليمهم، ويذكر أيضا أن فرقة منهم لم تنكر ميلاد المسيح من العذراء بواسطة الروح القدس إلا انهم أنكروا وجوده قبل ميلاده.

أهم عقائدهم المنحرفة :

1 - أنكروا ولادة المسيح المعجزية، وقالوا إنه كان ابن يوسف ومريم بالمفهوم العادي وأن جسد المسيح - على نحو ما - كان جسد آدم، قال العلامة أوريجانوس في رده على كلسس (إنهم قالوا أن المسيح ولد كسائر الناس وأنكروا ولادة المسيح من أم عذراء ، أى انه ولد حسب الطبيعة من يوسف و مريم بزرع بشر . و منهم من كان يترجم نبوة اشعياء "وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»." (إش 7: 14). فيغيرونها الى  (ها الفتاة) بدلا من (ها العذراء).. وأن هذا الجسد صلب وقام ثانية. و إن كانت طائفة منهم آمنت بميلاده المعجزى و هؤلاء تسموا بالناصريين.

نجد إن القديس جيروم في خطابه للقديس أغسطينوس،يسمى الذين يؤمنون بالميلاد المعجزي بالناصريين ، ويسمى منكريها بالأبيونيين.

2 - كانت عقيدتهم فى السيد المسيح عقيدة هزيلة ، فقد أنكروا لاهوته و لم يعترفوا بوجوده الإلهى قبل التجسد ، و رفضوا أن يعتبروه اللوغوس او كلمة الله و حكمته، و إعتبروه إنسانًا عاديًا كسائر البشر .و كل إمتيازه إن الله إختاره ليكون هو المسيا، إذ نظر لتقواه و خضوعه للناموس القديم خضوعا تامًا، و نموه فى الفضيلة . و إن المسيح لم يكن هو نفسه عالمًا بهذا الإختيار إلى يوم عماده، حيث حل عليه الروح القدس و جعل منه المسيا .

3 - كانوا يخضعون لناموس موسى و محافظين على الشعائر و الطقوس اليهودية مثل تقديس أورشليم و إتمام الختان، و يرونه ضرورى للخلاص، و إن المؤمنين من الأمم الذين رفضوا الخضوع للناموس نجسون . و يقولون إن الإيمان بالمسيح و العمل القائم على هذا الإيمان غير كاف للخلاص الا اذا إلتزم المؤمن بفرائض الناموس . و يتكلم أوريجانوس في كتابه الثاني ضد " كلسس " عن الأبيونيين، وكأن الفرق الوحيد بينهم وبين سائر المسيحيين، هو خضوعهم لناموس موسى، وبذلك يدحضون الرأي القائل بأن اليهود بإعتناقهم المسيحية قد تخلوا عن ناموس آبائهم.

4 - كانوا يعتقدون بحكم المسيح الألفى زمنيًا و أرضيًا. فيقول القديس جيروم إن الأبيونيين كانوا يعتقدون أن المسيح سيملك ألف سنة بإعتباره مسيا اليهود.

5 - إعتقدوا مثل الكيرنثيين والكربوكراتيين الذين نادوا بأن قوة إلهية حلت على المسيح عند معموديته جزاء له على قداسته الكاملة. وتزعم إحدى معتقداتهم بأن الروح القدس هو ابن الله الأزلي، بينما لهم ايضًا معتقد آخر بإن القوة التي حلت عليه هي الحكمة السماوية أي " الكلمة" ( اللوجوس)، وبفعل هذه القوة الإلهية صنع المعجزات وتكلم بحكمة تفوق حكمة البشر، ولكن هذه القوة الإلهية فارقت يسوع على الصليب ومع ذلك فإن هذه القوة الإلهية هي التي أقامته من الأموات وأصعدته إلى الأعالي.

6 - لم يقبلوا إلا إنجيل متى في الصورة التي قبله بها الكيرنثيوس بعد إستبعاد الأصحاحات الثلاثة الأولى ( و أسموه إنجيل العبرانيين )،مع كثير من الخرافات. كما تتجنب كتاباتهم  نسب الألوهية للمسيح، فهو المعلم والنبي، ولا يدعي "ابن الله" الا فى فترة متأخرة عند الأبيونيين الأثينيين لكن بمفهوم غير مساوى لله الآب . وقد قام سيماخوس الأبيوني بترجمة أسفار العهد القديم إلى اليونانية وكتابة تفاسيرها التي كانت تهاجم الإنجيل بحسب متى.

7 – لهم نظرة متدنية للمرأة ،فيقول القديس أبيفانيوس إنهم كانوا يسمحون بالزواج مرتين وثلاث مرات إلى سبع مرات، ومع أنهم سمحوا بالزواج ، إلا أنهم كانوا يحتقرون المرأة ويتهمون حواء بخلق الوثنية , وفي هذا يتفقون مع الأسينيين في رأيهم في الجنس .

8 – رفضوا القديس بولس و رسائله لانه كثيرا ما كان ينتقد أفكارهم و تعاليمهم حتى إنهم كانوا يتطاولون عليه و ينعتونه بألفاظ مسيئة.و اعتبروه مجدفًا على الناموس .

9 – يستخدمون الماء بدلا من عصير الكرم المخمر فى إتمام الإفخارستيا لأن الأبيونيون الأسينيون لا يشربون الخمر و يحرمونها. فالأبيونية الأسينية تحمل إتجاه غنوسى واضح. أو قل هى الغنوسية فى دائرة المذاهب المسيحية المتهودة. و قد |أدخلوا بعض العادات و الطقوس و أمتنعوا عن الخمر و الأطعمة الحيوانية.

10 – من المبادئ الهامة التى إشتملت عليها كتب الأبيونيين الأسينيين قولهم إن الله هو الكل ، و المسيح قد صدر عن الله . و كذلك العالم صدر من الله ،و هذا الصدور يقتضى حدوث تغيير فى الله ، و الله هو نفسه جسم و له شكل ظاهر .و ليس هناك غير إله واحد هو الذى خلق العالم ، و هو القاضى العادل ، و المسيح إبن الله لكنه ليس هو الله ( على إنه مخلوق أقل من الله ). لأن الله جوهر غير مولود . أما المسيح فمولود . ( كما ورد فى كتاب المواعظ الأبيونى)

 

كيف واجهتهم الكنيسة :

إن الكنيسة واجهت أفكارهم منذ عصر الرسل ورفضوا تعاليمهم و عزلوهم فى العصور الأولى للمسيحيةو يتضح هذا  كما سبق أن قلنا إن القديس بولس الرسول لقبهم ب ( الاخوة الكذبة ) و "وَلكِنْ بِسَبَبِ الإِخْوَةِ الْكَذَبَةِ الْمُدْخَلِينَ خُفْيَةً، الَّذِينَ دَخَلُوا اخْتِلاَسًا لِيَتَجَسَّسُوا حُرِّيَّتَنَا الَّتِي لَنَا فِي الْمَسِيحِ كَيْ يَسْتَعْبِدُونَا،" (غل 2: 4).  و وصفهم أيضًا قائلًا: "فَإِنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرُونَ مُتَمَرِّدِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ، وَيَخْدَعُونَ الْعُقُولَ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ مِنَ الْخِتَانِ،الَّذِينَ يَجِبُ سَدُّ أَفْوَاهِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقْلِبُونَ بُيُوتًا بِجُمْلَتِهَا، مُعَلِّمِينَ مَا لاَ يَجِبُ، مِنْ أَجْلِ الرِّبْحِ الْقَبِيحِ." (تي 1: 10).

العلامة أوريجانوس ( 185 – 254 م ) فى كتابه الرد على كلسس ( هناك قوم يؤمنون بيسوع و يفاخرون بكونهم مسيحين ، و لكنهم يشاءون أن يسلكوا طبقًا للناموس القديم كما يفعل اليهود. هؤلاء هم طائفة الأبيونيون بقسميها. و هم إما يقرون معنا بأن يسوع ولد من عذراء ، أو ينكرون هذا و يعتقدون إنه ولد كما يولد أى كائن بشرى آخر.... كما إن هناك بعض الفرق الهرطوقية لا يقبلون رسائل الرسول بولس مثل فرقتى الأبيونيين ...فاولئك لا يعدون الرسول قديسًا أو حكيمًا. ) ( كتاب 5 فصل 61 )

فى رسالة القديس إيرونيموس ( 342 – 420 م ) الذى تكلم عنهم بصفتهم فرقة قائمة إلى القديس أغسطينوس قال ( ماذا أقول عن الأبيونيون الذين يدعون إنهم مسيحيون . إنهم أرادوا أن يكونوا يهودًا و مسيحين فى وقت واحد لكنهم ما إستطاعوا أن يكونوا لا يهودًا و لا مسيحين ).

إستخدم نفس هذا التعبير القديس ابيفانيوس أسقف قبرص ( 310 – 403 ) فقال ( إنهم ليسوا مسيحين و لا يهودًا و لا وثنيين . إنهم يقفون فى منتصف الطريق ،فليسوا هم شيئًا ).

هاجم القديس يوستينوس الأبيونيين بقوة و أعلن إنه لا خلاص لهم . ويذكر إن بعضًا من المسيحين لا يقبلونهم و يأبون أن يسموهم إخوة . و أن الكنيسة قد فصلتهم من شركتها.

 

ختام :

هكذ ذهبت الأبيونية كما ذهب غيرها من الهرطقات التى ناوءت المسيحية. فقد حاولت أن تسلب المسيحية خصائصها العالمية و تردها إلى حدود اليهودية الضيقة، و لكن لم تفلح. و تمر الأيام و نجد هذه البدعة تتلون و تتشكل و تطل علينا من جديد بمسميات جديدة ، تحمل بعض هذه الأفكار المنحرفة. و لكن من يقرأ و يحفظ تعاليم كنيسته التى تحمل كل الأمانة و الحق الإلهى لا يخاف لأن أساساته فى الجبال . فكنيستنا الأرثوذكسية ثابتة و أساسها على الصخر ، مهما هبت الرياح و العواصف لن تتزعزع . 

وهكذا  لازال الأقباط الأرثوذكس و كنيستهم يعتقدون فى الرب يسوع إنه المسيا و هو الأقنوم الثانى من الثالوث القدوس ، و إنه هو كلمة الله الكائن فى الذات الإلهية منذ الأزل الذى تجسد من العذراء القديسة مريم و الروح القدس ،و صار إنسانا كاملًا. لاهوت كامل و ناسوت كامل. بطبيعة واحدة من بعد الإتحاد فى ملئ الزمان.

 

و لإلهنا كل مجد و كرامة فى كنيستة الى الابد.

كونوا معافين فى الرب

باحث اكليريكى / مينا ثروت قلادة

 

المراجع :

1 – ملزمة الأبيونية ، دراسات الكلية الإكليريكية اللاهوتية للقبط الأرثوذكس بقلم نيافة الأنبا غريغوريوس.

2 – نظرة شاملة لعلم الباترولوجى فى الستة قرون الأولى.

3 - قاموس الكتاب المقدس / دائرة المعارف الكتابية المسيحية.

4 - Eusebius of Caesaria, “The Church History of Eusebius”, trans. Arthur Cushman McGiffert In, in The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series, Vol. I (Oak Harbor: Logos Research Systems, 1997)>